صديق الحسيني القنوجي البخاري

146

فتح البيان في مقاصد القرآن

على نساء العالمين مع كونها بين قوم كافرين الَّتِي أَحْصَنَتْ حفظت فَرْجَها عن الفواحش وعن الرجال فلم يصل إليها رجل لا بنكاح ولا بزنا ، والمحصنة العفيفة ، وقد تقدم تفسير هذا في سورة النساء ، قال المفسرون : المراد بالفرج هنا الجيب لقوله : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا المخلوقة لنا ، وذلك أن جبريل نفخ في جيب درعها أي طوق قميصها ، فحملت بعيسى عقب النفخ ، فالنفخ والحمل والوضع في ساعة واحدة ، والإسناد في نفخنا مجازي ، أي فأسند إلى اللّه من حيث إنه الخالق والموجد ، وقيل المراد بالروح روح عيسى التي صار بها حيا فوصلت إلى فرجها بواسطة نفخ جبريل ، وإضافة الروح إلى اللّه إضافة مخلوق لخالقه للتشريف . وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها يعني بشرائعه التي شرعها اللّه لعباده ، وقيل : المراد بالكلمات عيسى وقيل صحفه التي أنزلها على إدريس وغيره ، قرأ الجمهور صدقت بالتشديد ، وقرىء بالجمع والمراد على الأول الجنس ، فيكون في معنى الجمع وهي الكتب المنزلة على الأنبياء كإبراهيم وموسى وابنها عيسى . وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ قال قتادة من القوم المطيعين لربهم ، وقال عطاء : من المصلين كانت تصلي بين المغرب والعشاء ، ويجوز أن يراد بالقانتين رهطها وعشيرتها الذين كانت منهم ، وكانوا مطيعين أهل بيت صلاح وطاعة ، ولما كان القنوت صفة تشمل من قنت من القبيلين غلب ذكوره على إناثه ، وفيه إشعار بأن طاعتها لم تقصر عن طاعة الرجال الكاملين حتى عدت من جملتهم ، ومن للتبعيض ، ويجوز أن تكون لابتداء الغاية على أنها ولدت من القانتين ، لأنها من أعقاب هارون أخي موسى عليهما السلام . عن ابن عباس قال : « قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران وآسيا بنت مزاحم امرأة فرعون ، ما قص اللّه علينا من خبرها في القرآن قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ الآية أخرجه أحمد والطبراني والحاكم ، وفي الصحيحين وغيرهما : من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران ، وخديجة بنت خويلد ، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام » « 1 » .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأنبياء باب 32 ، 46 ، وفضائل أصحاب النبي صلى اللّه عليه وسلم باب 30 ، والأطعمة باب 25 ، ومسلم في فضائل الصحابة حديث 70 ، والترمذي في الأطعمة باب 31 ، وابن ماجة في الأطعمة ، باب 14 ، وأحمد في المسند 4 / 394 ، 409 .